سيبويه

336

كتاب سيبويه

واعلم أنَّ السيرَ إذا كنتَ تخبر عنه في هذا الباب فإنَّما تُخْبِرُ بسَيْرٍ متّصِلٍ بعضُه ببعضٍ في أيِّ الأحوال كان . وأمَّا قولك إنما أنت سيرٌ فإِنما جعلتَه خبراً لأنتَ ولم تضمِرُ فِعْلا . وسنبيِّن لك وجهَه إن شاء الله . ومن ذلك قولك ما أنت إلاّ شُرْبَ الإِبل وما أنت إلاّ ضربَ الناس وما أنت إلاّ ضرباً الناسَ . وأمّا شربَ الإِبلِ فلا ينوَّنُ لأنك لم تشبّهه بشرب الإِبل وأنَّ الشربَ ليس بفعلٍ يَقع منك على الإِبل . ونظيرُ ما انتَصب قولُ الله عزّ وجلّ في كتابه « فإما منا بعد وإما فداء » إنّما انتصب على فإمّا تَمنّون منًّا وإمّا تُفادون فداءً ولكنَّهم حذفوا الفعلَ لما ذكرتُ لك . ومثله قول الشاعر وهو جرير : أَلَمْ تَعْلَم مُسَرَّحِيَ القَوافِي * فلا عِيًّا بهنّ ولا اجتلابا كأنّه نَفَى قولَه فِعيًّا بهنّ واجتلابا أي فأَنا أَعْيَا بهنّ عِيًّا وأَجتلِبُهن اجتلابًا ولكنه نَفَى هذا حين قال فلا . ومثُله قولك أَلم تَعلم يا فلانُ مَسِيري فاِتعاباً وطَرداً . فإِنَّما ذَكَرَ مُسرَّحَه وذكر مَسيره وهما عَمَلانِ فجعل المسيرَ إتعابا وجعل المسَّرحَ لا عِيَّ فيه وجعله فعلً متَّصِلا إذا سار وإذا سَرَّحَ . وإِنْ شئتَ رفعت هذا كلَّه فجعلتَ الآخِرَ هو الأوّلَ فجاز على سعة الكلام . من ذلك قولُ الخَنَساء :